الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

17

أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )

يحرم ، لمزاحمة واجب معين فوري مثل المزاحمة للجهاد أو الحج ، ولو كان في زمن قصير ، والباقي سهل . * * * هل يكون استحباب النكاح مشروطا ؟ وهو أنّ غير واحد من الأكابر قيّدوا استحباب النكاح بمن تاقت نفسه ( أي ، اشتاقت إليه . والتوق ، والتّوقان ، بمعنى الاشتياق والاسراع في الشيء وفيضان الدمع ، والمراد به هنا ، الأول . ) ولازمه عدم استحبابه لمن لم يشتق ؛ مع أنك قد عرفت أن حكمة هذا الحكم بحسب نصوص الباب ، ليس مجرد حفظ العفة والتقوى ، بل بقاء النسل واكثار نفوس الامّة المسلمة من أظهر حكمه ، وهذا لا يتوقف على توقان النفس ، ولذا ذهب المشهور إلى استحبابه مطلقا ؛ فالفتوى بعدم استحبابه بمجرد عدم التوقان ، بعيد . وأبعد من ذلك ، القول باستحباب الترك لمن لا يشتهيه . قال شيخ الطائفة في المبسوط : الناس ضربان ، مشته للجماع وقادر على النكاح ، وضرب لا يشتهيه ، فالمشتهى يستحب له أن يتزوج والذي لا يشتهيه ، المستحب أن لا يتزوج ، لقوله تعالى ( في مقام مدح يحيى ) : . . . وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . « 1 » فمدحه على كونه حصورا وهو الذي لا يشتهى النساء . « 2 » والظاهر ، أنّ هذه الآية هي العمدة في فتوى جماعة من الأصحاب بتقييد الاستحباب بتوقان النفس ، وإن استدل له بدليلين آخرين تأتي الإشارة إليهما . ويمكن الجواب عنها ، بأنّ ظاهر الآية بل صريحها وإن كانت في مقام المدح لذكر عنوان السيّد قبله ، وكونه نبيّا من الصالحين بعده ، ولكن يرد على الاستدلال بها ؛ أولا : بأنّ المراد من الحصور وإن كان هو التارك لإتيان النساء - كما ذكره كثير من أرباب اللغة وعلماء التفسير - ولكن يمكن أن يكون ذلك لخصوصية في حياة

--> ( 1 ) . آل عمران / 39 . ( 2 ) . الشيخ الطوسي ، في المبسوط 4 / 160 .